محمد محمد أبو ليلة

124

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

القرآن . وبنفس الرؤية المضطربة ، ينظر ويلش إلى قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً ( 4 ) ( الفرقان : 4 ) ؛ إن الكاتب يبنى هنا ، على رأى الخصوم ، ويعتمد عليه اعتمادا جازما ، ويهمل اعتقاد أهل العلم من المسلمين ؛ بل ويهمل الدليل الإلهى الدامغ ، ويغفل رد القرآن نفسه على خصوم القرآن ، وكأن الخصوم هم الطرف الأصدق في القضية ، وهذا تحيز بلا شك ومصادمة لأصول البحث العلمي . نقول لو أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم كان قد كتب بعض آيات القرآن الكريم بيده الشريفة ، لتسابق الصحابة إلى حفظها بعينها ، وتوارثوها ، ولبقيت مع ما بقي من آثاره صلى اللّه عليه وسلم ، ولكنّ شيئا من ذلك لم يسجله كتّاب السيرة . ونجد من الواجب علينا ، أن ننبه إلى عدم دقة الكاتب في استعمال كلمة ( EDITING ) ، ومعناها التحقيق بالنسبة للقرآن ، والتي توحى بأن كتّاب الوحي من الصحابة كانوا يقومون بتنقيح النص ، والتصرف فيه كما هو الحال بالنسبة لكتب اليهود والنصارى ؛ وهذا شئ مستبعد تماما بالنسبة للقرآن . لقد كان كتّاب الوحي يكتبون ما يسمعون من رسول اللّه مباشرة ؛ ثم يطلب منهم الرسول ، أن يقرءوا عليه ما كتبوا ، ليستوثق من ضبطهم ، ويتأكد من سلامة كتابة النص القرآني المكتوب من التحريف ؛ هذا بالإضافة إلى أن القرآن كان محفوظا في الصدور ، من الكبار والصغار ، والرجال والنساء من المسلمين ، كما أشرنا إليه من قبل . إن الكاتب محكوم هنا بعقيدته وخبرته النقدية للكتاب المقدس متجاهلا للأسف الفروق الجوهرية بين الكتابين ؛ فالقرآن ، بعكس كتب اليهود والنصارى ، قد حفظت آياته لأول وهلة ، وقد ثبت بالدليل القطعي بالنقل المتواتر أن الجمّ الغفير من المسلمين كانوا يحفظونه كله أو معظمه ، في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وبعد مماته . ولقد انتشرت الكتاتيب ، وانتشر المحفّظون في كل مكان داخل الجزيرة العربية وخارجها ؛ وقد كان القرآن مبثوثا في أيدي الناس دون تمييز ، يحفظونه كما جاء به جبريل عن اللّه ، وكما بلّغه محمد صلى اللّه عليه وسلم عن جبريل عليه السلام بغير اختلاف ، اللهم إلا فيما أملته لهجات القوم في طريقة الأداء مما تخصصت في عرضه كتب القراءات « 1 » . هذا بخلاف التوراة وكتب الأنبياء والأناجيل التي

--> ( 1 ) انظر محمد أبو ليلة - رسالة دكتوراة ( المملكة المتحدة - اكستر 1984 ) ، وكتاب تحت الطبع ، وابن النديم كتاب الفهرست لبنان دار المعرفة ص 53 .